0 تصويتات
منذ في تصنيف حل المواد الدراسية المتوسطة بواسطة (2.8مليون نقاط)
ربما عثرنا على مفتاح حل قد يهدينا الى مبدأ عهد تقديس الشيخ آدي ويغلب على الظن انه كان اولا مركزا لعبادة النبع وهي أول عقيدة دينية معروفة عند البشر اما طاؤوس ملك فهو اضافة متأخرة على هذه العقيدة الاصيلة وان اغتصب الان الموضع الاول وصار المعبود الاسمى ومع هذا فأن عباده يدركون نصف ادراك وجود اله آخر كائن وراء إلاههم هذا يرى المرء في هذه الاصقاع عشرات من العيون وعشرات من الاشجار التي تنزل منزلة الاحترام سواء في القرى المسيحية أو المسلمة وترى احترام الناس لها يشوبه شيء من الخجل والاعتراف بالذنب اما اتباع الديانات السفلى فأن للخرافات العتيقة مكانتها الثابتة.

ليس لليزيدية دين مفصل حاك نسجه معلم عظيم في اطار محكم مقنن بل كان تراثا متخلفا المآثر متراكمة عجيبة جمعت معا في نسيج ملون متشابك غريب والحجر الاساس في عقيدتهم هو تقديم الكفارة لعنصر الشر وهذا اصلا مفهوم مذهب الثنوية الفارسي الا انهم اد غموا فيه عبادة الطبيعة التي تعود بقدمها الى قدم البشرية نفسها عبادة الطبيعة هذه تتمثل في عبادة الينابيع والاشجار والنار وكل الظاهرات السماوية وبعد هذا طعمها اهلها بما لا يحصى من العقائد اليهودية ثم المسيحية ثم الاسلامية ويظهر أن غنوصيا تناول كل هذا المزيج بالاخير وسبكه في قالب يقارب شكله الحالي.

ويظهرون تكريمهم للشيخ شمس الدين الشمس في تقبيلهم بقعة الأرض التي يقع عليها اول شعاع شمس يوميا وانهم يصلون لها عند مشرقها ومغربها وبتضحية ثيران بيضاء اللون في معبدها ويؤدون فروض عبادة مشابهة تقريبا للقمر أيضاً وهم يدفنون موتاهم دائما بمواجهة نجمة الشمال ويظهرون احترامهم للينابيع في الاغتسال الذي يرافقه عدد من المراسيم والطقوس ومنها تعميد الاطفال في حوض الشيخ آدي وبتجلي احترامهم للنار في تحريمهم البصاق عليها وربما وجدنا اثر عبادة الحية في صورة الافعى السوداء الشهيرة.

واخذوا من الفرس عقيدة الخير والشر وربما اخذوا ايضا اعتقادهم بتناسخ الأرواح وتعلموا من اليهود تمييز اله الشر اهریمان بابلیس نفسه وممارسة عملية الختان وقربان الدم وغيرها من الفروض التي تجدها في شريعة موسى واحترام مدونات التوراة التي يرونها بمستوى الانجيل والقرآن وهم يشاركون المسيحيين في اعتقادهم بألوهية منشىء دينهم وان كانوا يعدون طاؤوس ملك اعظم الوهية من المسيح ويحترمون علامة الصليب لكن ربما لا بوصفه شعارا مسيحياً لأن استخدام هذه الاشاراة كان سائدا قبل ظهور المسيحية واستمدوا عقائد اخرى من الدين الاسلامي فهم يسلمون بنبوة محمد (ص) وبقدسية مدينة مكة وانك لتجد آيات قرآنية منقوشة على جدران هيكلهم وزادوا فزعموا أن نبعهم المقدس يستمد ماءه من بئر زمزم فقد تمكن الشيخ آدي باعجوبة ان يحرف ماءه الى موضعه الحالي.

اضيفت اجزاء عديدة من العقيدة الاسلامية الى دينهم العجيب قطعة قطعة وبصورة تدريجية املا في الرضا والتسامح من اسيادهم المسلمين ان كان هذا أملهم فهو عقيم لان احترامهم لابليس الذي لا يتحولون عنه هو الكفر الاعظم الذي لا يمكن ان يتسامح به لا المسلمون ولا المسيحيون لذلك كان حظهم في الدنيا الظلم دائما واقسى انواع الاضطهاد في كثير من الاحيان ترى كيف يمكن لهذه العقائد الغريبة المركبة ان تمدهم بالمناعة الروحية البطولية.

إن امكن قياس صحة العقيدة بعدد الشهداء وثباتهم عليها فيجب أن يمنحوا لهم قصب السبق لانهم مع قلة عددهم ماضيا وحاضرا يستطيعون أن يحصوا من الشهداء منات الألوف وندر ان جحد اي يزيدي عاقل رشيد دينه سواء تحت وطأة التعذيب او خوفاً من الموت وكانت مذبحة ۱۸۹۲ اخر حلقة من سلسلة طويلة من قائمة المذابح ومن اخفها فقبل خمسين سنة منها اخرج كل يزيدية الشيخان من قراهم اثر غارة وحشية شنها عليهم امير رواندوز فتوجهوا الى الموصل هاربين من بطشه فقطع عليهم طريق الهزيمة طغيان ماء دجلة فادركهم مطاردوهم وذبحوا منهم عدة الآف في خرائب نينوى فوق تلها الرئيس الذي كان سنحاريب قد شيد عليه قصره فصار التل منذ ذلك اليوم يعرف بالاسم المشؤوم تل قوينجق اي تل مجزرة الغنم حتى سنجار نفسها فأنها لم تكن ملجاً مأمونا لهم وان كان الضغط عليهم فيها أقل من غيرها نوعا ما وتعود حكايات المذابح الأخرى الى اول مستهل لتأريخهم.

على أن هذه الطائفة بقيت حية تجتذب المهتدين اليها بين الفينة والفينة وهذا اعجب ما في الأمر نحن نفهم السبب مثلا في اهتداء المسيحي الى الدين الاسلامي لانه على الاقل يؤمن لنفسه طريق التقدم في الحياة ان لم يكن لرغبة صادقة لكن اية فائدة ملموسة يجنيها المرء من اعتناقه الدين اليزيدي الا اذا كان قد سئم من الحياة وصبت نفسه.

في الآونة الاخيرة منح اليزيدية امتيازا عجيباً فقد اعفوا من الخدمة العسكرية الاجبارية وهو العفو الذي يصبو اليه بقية الكرد والمسيحيين على السواء ولم يكن هذا العفو من قبيل العطف عليهم بل اراحة للجيش منهم وحرصا على ضبطه لان المسلم معتاد التعوذ بالله من ابلیس عشر مرات على الاقل يوميا واليزيدي الذي يسمع هذا الكفر ليس له الا ان يختار احد أمرين اما ان يقتل الكافر أو يقتل نفسه.

إن القرآن يقيم حداً بيناً بين اهل الكتاب الذين لا يعترفون بالدين الاسلامي وبين الآخرين الذين ليسوا من أهل الكتاب بين المسيحيين واليهود الذين يتبعون وحيا مكتوبا منزلا وبين المشركين الذين يتبعون عبادة تقليد فقط فالاولون يخضعون للجزية والآخرون يجب القضاء عليهم واستئصال شأفتهم.

على أن اليزيدية هم في الواقع من اهل الكتاب ايضا وان كانت هذه الحقيقة لا تخفف من جريرة عبادتهم لابليس وقد ظلوا فترة طويلة من الزمن يحرصون على اسرار كتبهم ويتقبلون في سبيل هذا الحرص انواع الاضطهاد والتعذيب على افتراض انهم لا يملكون كتاباً في حين ان لديهم كتابين مقدسين هما الكتاب الاسود مصحف ره ش الذي يعود تاريخه الى حوالي القرن العاشر وكتاب الجلوة الذي يعود تاريخه الى حوالي القرن الثالث عشر ومن هذين الكتابين يمكننا ان نستخلص بعض المعلومات الاساسية عن معتقداتهم.

يؤمن اليزيدية بالكائن الاعلى يزدان الذي يسمو على الكل، لكنهم لا يعبدونه انه رب السماء فحسب والارض لا تدخل ضمن دائره نفوذه او مملكته ومن اسمه اشتقوا اسم طائفتهم اليزيدية على اصوب الاحتمالات وارجحها مع ان المسلمين او الشيعة على الأقل يزعمون بان الاسم هو نسبة الى يزيد بن معاوية قاتل الحسين وهم بهذا يستحدثون سببا آخر ومبررا من مبررات اضطهادهم.

ومن يزدان انبثقت ارواح سبع اولها واعظمها شأنا واقواها بلا منازع ملك طاؤوس واليه يعزى خلق الارض التي سيدوم حكمه عليها عشرة آلاف سنة والباقي من هذه المدة الان اربعة الاف فقط و ملك طاؤوس هو روح شريرة ساقطة لكن سقوطه ليس نهائيا غير قابل للاصلاح وانما هو اشبه بـ ابشالوم سماوي قاس طاغية جموح لا يخضع لحكم لكنه ضامن رد حقوقه اليه في اخر الامر اما سيأتي الزمن الذي سيعود فيه رئيس جميع الملائكة الى مقامه الأول ومركزه من الرفعة والسلطان؟ وعندئذ سيكون برا باليزيدية البائسين الذين ظلوا وحدهم دون سائر سكان الارض لا يلعنونه وهو ملطخ بعاره.

في هذه الصورة صورة ابليس العائد الى طريق الخير، شيء من الطرافة لا يخفى على القاري تراها ما زالت مشوبة بضغن طفيف ضد اولئك الذين احتقروه ولعنوه في ايام ضلالته.

و ملك عيسى هو ثاني الارواح العظمى وسيحكم هو الآخر عشرة الاف سنة بعد انتهاء حكم ملك طاووس وهم يؤمنون بقصة تجسده وآلامه كما وردت في الاسفار الانجيلية لكنهم يزعمون أن مجيئه كان سابقاً لاوانه وانه فشل في كسر شوكة قوى الشر وهو على كل حال لم يمت مصلوبا لان ملك طاؤوس اختطفه وترك مكانه طيفاً من الاطياف.

وينزل اليزيدية ملك عيسى المنزلة الثانية بعد ملك طاووس في العبادة ويقولون ان حكمه لم يأت بعد ولما كان روح خير فهو ليس قوياً كالشر ولذلك يضحون له بنعجة واحدة في عيدهم الأكبر بينما يضحون بسبع نعاج الملك طاؤوس وملك عيسى رحوم بطيء الغضب عظيم الشفقة بعكس ملك طاؤوس فهو اله غيور سريع العقاب.

والشيخ آدي هو شخصية شبه خرافية يمكن اعتباره نبي اليزيدية وتقترن هويته احيانا بـ ما رأدي اي القديس تداوس رسول المسيحية الى الشرق لكن هناك شواهد تاريخية تثبت ان هذا الشيخ عاش في القرن العاشر الميلادي وكان بالاصل صوفيا هرب من حلب عندما اعلنت الحرب على جماعة الصوفية وطوردوا ومن يدري فلعله مؤلف كتابيهما المقدسين؟ ولقد قيل بانه اول من علم التلاميذ الطريقة وتنزله واحدة من العقائد اليزيدية منزلة الالوهية ويزعمون أنه سيحمل في يوم الحشر كل قومهم من طبق فوق رأسه وبهذه الوسيلة يدخلهم الجنة اذ انهم سيمرون فورا دون سؤال او جواب على انه بحسب عقيدة اخرى لهم، مجرد انسان من البشر عانى في حياته الانسانية تجربة قاسية من الهه العجيب ففي اثناء ما كان الشيخ يؤدي فريضة الحج بمكة تقمصه ملك طاؤوس وهو جالس بين تلاميذه فعاش بينهم وعلمهم واخيرا صعد الى السماء امام انظارهم اما الشيخ عدي المسكين فقد قتل حال عودته من الحج باعتباره كاذبا دعيا يخدع الناس وبعد قتله ظهر ملك طاؤوس وكشف الأمر لهم والحيلة التي لعبها على شيخهم وأمر أن يكرم هذا المظلوم ويتعبد له فعد منذ ذلك الحين نبيا من الانبياء.

لليزيدية نظام كهنوت منتظم على سبع درجات وهم يعيدون عيدا كبيرا سنويا في مزار الشيخ آدي خلال شهر تشرين الاول ويدوم ثمانية أيام متواصلة ويحضره كل يزيدي قادر على الحضور وكان لا يارد قد حضر عيدين منهما وشارك في اللهو والمرح لكن لم يسمحلاحد من غير اليزيدية حتى الساعة بمشاهدة المراسيم التي تجرى داخل المعبد نفسه والحج الى هذا المزار فريضة واجبة على كل يزيدي ولكنه لا يطلب منه الصلاة ويترك هذا الواجب للكاهن الذي ينتسب له ويجوز الصيام ايضا بالنيابة فيمكن ان يقوم جماعة من اليزيدية باختيار واحد منهم يقضي عنهم كل صيامهم ويعترفون له بكل الافعال التي تجب عليها الكفارة ويدفع له أجر عن كل شخص لقاء حمله كل تبعات الغفران عنه.

واليزيدي يفهم جيدا تبعات اليمين وثقله لكن حلفه يجب ان يتم بالطريقة الصحيحة وباحتمال ان يتقدم شاهد يزيدي لاداء اليمين في محاكمنا الانكليزية ارى من المناسب ايراد وصف دقيق لكيفيته ترسم دائرة في الأرض حول حالف اليمين ويقال له كل ما بداخل هذه الدائرة هو للملك طاووس والآن اعط جوابا كاذبا أن تجاسرت وقد يفكر المرء ان الكذب عند ابي الاكاذيب ومصدرها شيء طريف جدا لكن عندما يجد الجد وتوضع الأمور على المحك تجد المسألة مختلفة اختلافاً بينا على وجه التأكيد ولذلك لك ان تستنتج ان أمير الظلام هو جنتلمان يحق وحقيق.

وترى الزي الغالب عند الرجال يتألف من رداء ابيض وسروال وسترة وقلنسوة حمراء وحزام.

وترتدي النسوة الزي نفسه خلا ان الثوب اطول وقد يصل الى الكاحل ويرتدين أيضاً عباءة حمراء طولانية مشدودة بأعلى الكتف الايسر حتى ما تحت الابط الايمن.

تركنا الشيخ آدي واليوم لم يكد يتنصف ورافقنا رئيسه الشاب القيم عليه حتى بابه لتوديعنا ولم يقبل منا اجرا على مبيتنا وطعامنا قائلا انها سنة المشرفين على ادارة المعبد ان يبقوا الباب مفتوحا في وجوه الزائرين الا انه اكراما لخاطرنا لا يرفض الهدية التي نقدمها له على سبيل العوض وسرنا في ممر شديد الانحدار والوعورة وصعدنا جرفا تاركين المضيق حتى بلغنا قمة النجد المقابل ومن اعلى نقطة فيه تزودنا بالنظرة الاخيرة من بيت الاشباح هذا غير المقدس كتحلت اعيننا للمرة الاخيرة بسهول الموصل الجنوبية الشبية بالبحر المحيط.

بعد ان غصنا في اعماق عالم ابلیس قررنا تتويج استهتارنا هذا بزيارة رئيس الاخبار علي بك امير اليزيدية الذي يقع منزله على طريقنا وافضى بنا هبوط اشد وعورة من صعودنا الى نجد من الارض تبتديء الجبال منه بالارتفاع وهنا على قمة ناتئة في ارض سهلة منخفضة قليلا وصلنا الى قلعة المير وهي بيت واسع محصن ذو صحن مسور من كل جهاته وكان مجرى ماء غير لطيف يصدر من عين فوقه تماما ويدور بقاعدة التل الذي تقوم فوقه القلعة وعلى ضفتي المجرى تجثم قرية باعذري اليزيدية وهي احدى مرابعهم الرئيسة في منطقة الشيخان، ويظهر ان القلعة جيدة الحراسة اذ رأينا عددا كبيرا من الرجال عندما ترجلنا في الباحة الا انها مبنية بالحجر والجص وكانت الشقوق في جدران غرفة استقبال المير تحتاج الى إصلاح عاجل.

والديواخانة قاعة واسعة معقودة وجدرانها المطلية بالنورة البيضاء مخدوشة في كل موضع منها برسوم قائمة ساذجة غليظة لبواخر ومحركات ومكائن قطار كأن زوار الامير كانوا يحاولون ان يفسروا له كنه هذه المخلوقات الجبارة موفرين عليه عناء سفرة قد تستغرق عشرة ايام وكانت القاعة عند ولوجنا خالية، الا ان المير دخل حالا واستدنانا فجلسنا على متكاً في الصدر ان الكاهن الاعلى للاله الابليسي شديد التشيع للانكليز وهي حقيقة ذات دلالة ومغزى عند اصدقائنا سكان القارة الريفيين وتصله صداقة تقليدية وثيقة بمار شمعون جاثاليق النساطرة المسيحيين اذ مع ان المسيحيين يشمئزون من عبدة ابليس فقد تنامى بين الملتين عطف متبادل شد عراه الاضطهاد المشترك.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
منذ بواسطة (2.8مليون نقاط)
يميل جسم علي بك الى الضخامة شأن كل سكان الجبال وربما بلغ طوله ست اقدام.

وعمره يناهز خمسة واربعين عاما تقريبا وكان مشتملا بعباءة بنية داكنة مطرزة الحلق بخيوط ذهبية الا اننا لم نتبين من ملامحه الا القليل اذ كان قد لف وجهه بخمار من طيات عمامته اليزيدية الحمراء وليس هذا مما يمكن رده الى رغبة منه لتقليد النبي الخراساني المقنع بل لانه كان يشكو من برد لا غير وهي الوعكة التي امسكته عن سفرة نواها الى الموصل وكان يبدو لنا منقبض النفس سوداوي المزاج وهو مما يناسب زعيم شعب مضطهد ولعل بعض هذه السويداء تعود الى البرد اذا توخينا سطحية الحكم.

كان يقوم بين يديه شيخ يزيدي وسيم جدا ذو لحية سوداء طويلة وعمامة بيضاء وثوب وعباءة ذات لون رمادي خفيف ان الشيوخ هم الطبقة الكهنوتية التي تلي المير في النظام الحبري اليزيدي اما القوالون او الكهنة فهم الطبقة الثالثة، يليهم على التوالي طبقات الپیر والكوچك والفقير والملا، وهم مختصون بمراسيم اخرى اقل شأنا.

والمير في الواقع هو مثل خليفة المسلمين في ملته مطلق الحكم في الأمور الدينية والدنيوية معا وهو يجمع بين صفتي البايا والامبراطور الى حد ما وليس ثم احد من اليزيدية يحلم في التمرد على امره او الجهر بشكوى ضده الى الحكومة فالمير معصوم من الخطأ وكل مقتنيات رعيته ملك مباح له فلو اراد امرأة لما حال احد بينه وبينها واذا فتك بأحد لا يجد من يعترضه اذ ان القتل بيد المير يعتبر تقديسا للقتيل واضفاء الصفة الصلاح عليه مما يضمن الروحه دخول الجنة فورا فأي قتيل يحتج على مثل هذه الشروط السخية ومنصب المير وراثي كسائر المناصب المشابهة له في هذه البلاد لان فكرة تسلسل صفة القداسة والبركة في افراد الاسرة المعينة الواحدة امر مألوف عند الكرد مسلميهم ومسيحييهم ويقوم شيخ بارزان وشيخ نهري مثلا للاولى والمار شمعون يقوم مثلا للثانية واظن ان التطبيق هو على الاقل السابقة محتومة واقصد به بيت هارون اليهودي.

منذ زيارتنا كان علي بك ميتا ميتا موتا طبيعيا وهو ما يمكن اطلاقه بالنسبة الى مير اليزيدية هذا وذلك لانه قتل منذ زمن بعيد بيد خليفته كأي ملك من ملوك ايرلندا الغابرين ان مجرد الاشارة الى خروج التعاقب الوراثي من دائرة الاسرة يعتبر كفرا ومروقا من الدين لكن الوارث الشرعي يجب ان يستعجل في تسنمه المنصب وهذا هو الجانب العكسي من اللعبة وهي ايضاً لعبة رياضية سپورت اذ لو فشل المغامر لقتل شر قتلة لاتيانه بعمل أثم لا يداني اما اذا نجح فهو المير بكل ما للسير من حصانة وسلفه يصعد الى الجنة اما هو فيحكم حكما مطلقا بدلا عنه.

لذلك كان المير بحاجة دائمة الى الحيطة واليقظة والحذر من خلفائه المحتملين وكان عليه ان يبقيهم بعيدين عنه بمسافة باع لكن الوارث هذه المرة هو ابن اخي المير الحالي اتخذ الحيطة من جانبه فهرب الى ما وراء الحدود الروسية متربصاً منتظراً فرصته وفي الصيف الذي عقب زيارتنا تسلل عائدا من منفاه واسعده الحظ في مهمته وسقط المير قتيلا بيده والآن يوجد مير اخر هو الحاكم الشرعي لسائر اليزيدية لا احد يماري في شرعيته وسلطانه حتى نهاية حكمه.

ودعنا علي بك عند باب ديواخانته وليس في ذهننا شيء عن المأساة القادمة التي تنتظره وقد تذوقنا كرم ضيافته وتبادلنا النيات الطيبة والتمنيات الخالصة ورافقنا احد فرسانه الى نقطة تبعد ميلا واحدا عن القلعة ومن ثم استرسلنا في الطريق الذي عاد بنا الى الموصل.

ختمنا زيارتنا الشنعاء بالمبيت في قرية يزيدية لان الرحلة الى الموصل طويلة لا يمكن قطعها في يوم واحد وقد اتضحت لنا حقيقة العلاقات بين المؤمنين الحقيقيين وبين عبدة ابليس بشكل عملي عندما بدأنا بطلب الخبز فنفى مضيفنا وجود كسرة منه في القرية نفيا باتا حتى اقنعناه بعد مجهود كبير اننا مستعدون ان ندفع أي مال لليزيدية أمر غير مألوف وهو عمل أثم ومن ثم قد يرقى الى مرتبة الخطيئة واتانا منظر النقود برزق كثير الا ان المنظر نفسه افسد مضيفنا العابس فراح يشعر بالاهانة والحرج لاننا لم ندعه للاكل معنا وهكذا وجدنا اليزيدي بالطبيعة مثل ايتام الملاجيء يحبون المناكدة ولا شك ان شيئا قليلا من الفظاظة ضروري لكبحهم.

واتضحت لنا ثمرة خطيئتنا خلال ايام ثلاثة تالية بعد فترة قصيرة من الوقت فقد وجدنا اثنين من حراسنا المصيبة انهما مسلمان عاكفين على شرب العرق احتفاء بعودتهما إلى الموصل وعندما اخذنا نونبهما اعتذرا لنفسيهما بالقول: هذا كله من خطئكم يا افندم فانتم افسدتم روحنا الطاهرة بأخذنا الى مسكن ابليس، وهذه المصيبة حلت بنا جراء ذلك، لقد لمسنا القار الاسود فتلوثنا.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
0 تصويتات
1 إجابة
0 تصويتات
1 إجابة
0 تصويتات
2 إجابة
مرحبًا بك إلى موقع الاستفادة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...